
مقال للكاتب محمد سكيك يوجّه تحية تقدير لموظفي مصلحة المياه والبلديات الذين يواصلون عملهم بصمت وسط ظروف الحرب القاسية.
✍️ بقلم الأستاذ محمد سكيك
خبير اقتصادي – المنبر الاقتصادي الفلسطيني
هناك جنودٌ مجهولون لا يُلتفت إليهم كثيرًا في خضمّ الضجيج، رغم أنّهم يستحقون فعلاً أن تُكتب عنهم المقالات وتُرفع لهم كلمات التقدير والعرفان؛ وهم موظفو مصلحة المياه والبلديات، الذين يعملون بصمتٍ وإصرار، ليلًا ونهارًا، في ظروف بالغة القسوة، وتحت ضغطٍ يفوق الطاقة والقدرة البشرية في كثير من الأحيان.
هؤلاء الرجال والنساء الذين يقفون خلف استمرار الحد الأدنى من الحياة اليومية للناس، لا يتعاملون مع عملٍ مكتبيٍ هادئ، بل مع واقعٍ معقّد تتداخل فيه الأزمات: انقطاع الكهرباء، شحّ الإمكانيات، تآكل البنية التحتية، نقص المعدات، وتراجع الموارد، ومع ذلك يواصلون أداء واجبهم وكأن شيئًا لم يتغير، لأن توقفهم يعني توقف شريانٍ أساسي من شرايين الحياة.
هم من يخرجون في ساعات مبكرة أو متأخرة من الليل لإصلاح خط مياه مكسور، أو إعادة تشغيل مضخة تعطلت، أو معالجة خلل في شبكة تغذي أحياءً كاملة بالماء، وهم من يتحملون غضب الناس أحيانًا، رغم أن السبب الحقيقي ليس في أيديهم، بل في ظروفٍ أكبر وأقسى منهم جميعًا. ومع ذلك، يردّون دائمًا بالفعل لا بالكلام، وبالعمل لا بالشكوى.
والأكثر إيلامًا في هذا المشهد، أنهم في كثير من الأحيان لا يتقاضون إلا جزءًا يسيرًا من رواتبهم، ومع ذلك لا يجعلون من هذا ذريعة للتوقف أو التقصير، بل يستمرون بدافع المسؤولية، وبحسٍ إنسانيٍ عالٍ، وكأنهم يقولون بصمت: “واجبنا أن نخدم الناس مهما كان الثمن”.
الإنصاف الحقيقي يقتضي أن نُسلّط الضوء على هؤلاء قبل غيرهم، وأن تُروى قصصهم كما هي، لا من باب المجاملة، بل من باب الاعتراف بالجميل. فالحياة لا تُبنى بالشعارات، بل بأيدي الذين يعملون في الظل، ويصلحون ما ينكسر دون أن ينتظروا مقابلًا.
إنهم يستحقون الشكر لا ككلمة عابرة، بل كموقفٍ دائم، وتقديرٍ مستمر، وإدراكٍ عميق بأن خلف كل كوب ماء يصل للبيوت، هناك جهدٌ بشريٌّ شاق، وتعبٌ صامت، وإخلاصٌ لا يُرى لكنه يُحَسّ في كل تفاصيل الحياة.



